فصل: تفسير الآية رقم (67):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التيسير في التفسير أو التفسير الكبير المشهور بـ «تفسير القشيري»



.تفسير الآية رقم (66):

{وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (66)}
قوله جلّ ذكره: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم}.
أي لو سلكوا سبيلَ الطاعة لوسَّعنا عليهم أسباب المعيشة وسهَّلنا لهم الحال حتى إن ضربوا بيمينٍ ما لقوا غيرَ اليُمْن، وإِنْ ذهبوا يعسْرةً ما وجدوا إلا اليُسْر.
قوله جلّ ذكره: {مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ}.
المقتصد الواقف على حدِّ الأمر؛ لا يُقَصِّر فيُنْقِص، ولا يجاوزُ فيزيد.
ويقال المقتصدُ الذي تساوى في هِمَّتِه الفقدُ والوجودُ في الحادثات.

.تفسير الآية رقم (67):

{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67)}
قوله جلّ ذكره: {يَا أَيًّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ}.
لا تكتم شيئاً مما أوحينا إليك مُلاَحَظَةً لِغَيْرٍ، إذ لا غير- في التحقيق- إلا رسوم موضعة، وأحكام القدرة عليها جارية.
ويقال بَيِّنْ للكافة أنك سيِّدُ ولد آدم، وأنَّ آدم دون لوائك.
ويقال بلِّغْ ما أُنْزِلَ إليك أنِّي أغفر للعصاة ولا أبالي، وأردُّ مِنَ المطيعين مَنْ شِئْتُ ولا أُبالي.
قوله جلّ ذكره: {وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِى القَوْمَ الكَافِرِينَ}.
يحفظ ظاهرك من أن يَمَسَّكَ أذاهم، فلا يتسلط بعد هذا عليك عدوٌّ، أو يصون سِرَّك عنهم حتى لا يقع احتشامٌ منهم.
ويقال يعصمك من الناس حتى لا تغرق في بحر التوهم؛ بل تشاهدهم كما هُمْ؛ وجوداً بين طرفي العَدَم.

.تفسير الآية رقم (68):

{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (68)}
أي ليس انتعاشكم ولا نظام معاشكم، ولا قَدْركم في الدنيا والعُقبى، ولا مقداركم ولا منزلكم في حال من حالاتكم إلا بمراعاة الأمر والنهي، والمحافظةِ على أحكام الشرع.

.تفسير الآية رقم (69):

{إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (69)}
بَيَّنَ أنهم- وإنْ تجنَّسَتْ أحوالهم- فبعدما تجمعهم أصولُ التوحيد فلهم الأمانُ من الوعيد، والفوزُ بالمزيد.

.تفسير الآيات (70- 71):

{لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (70) وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (71)}
داروا مع الهوى فوقعوا في البلاء. ومِنْ أمارات الشقاء الإصرارُ على متابعة الهوى، وحسبوا ألا تكون فتنة، فعموا وصموا. واغتروا بطول الإمهال فأصروا على قبيح الأعمال، فلما أَخَذَتْهم فجاءةُ الانتقام لم ينفعهم الندم، وبَرَّحَ بهم الألم.

.تفسير الآية رقم (72):

{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ ُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (72)}
سَقِمَتْ بصائرهم والتبست عليهم أمارات الحدوث، فخَلَطُوا في عقائدهم استحقاقَ أوصافِ القِدَمِ بنعوت الحدوث!.

.تفسير الآيات (73- 74):

{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (74)}
بلغ الخذلانُ بهم حداً أَنْ كابروا الضرورة فحكموا للواحد بأنه ثلاثة، ولا يخفى فسادٌ هذا على مجنونٍ.. فكيف على عاقل؟!
قوله: {أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} لم يُغْلِقُ بابَ التوبة عليهم- مع قبيح أقوالهم، وفساد عقائدهم- تضعيفاً لآمال المؤمنين بخصائص رحمته.

.تفسير الآية رقم (75):

{مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآَيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (75)}
مَنْ اشتملت عليه الأرحامُ، وتناوبته الآثار المتعاقبة أنَّى يليق بوصف الإلهية؟
ثم مَنْ مَسَّتْه الحاجةُ حتى اتصف بالأكل وأصابته الضرورةُ إلى أن يَخْلُصَ من بقايا الطعام فَأَنَّى يليق به استيجابُ العبادة والتسميةُ بالإلهية؟
انظر- يا محمد- كيف نزيد في إيضاح الحجة وكيف تلبَّس عليهم سلوكُ المحجة؟

.تفسير الآية رقم (76):

{قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (76)}
تعليقُ القلوب- بدون الرب- في استدفاع الشر واستجلاب الخير تمحيق للوقت فيما لا يُجْدِي، وإذهابٌ للعمر فيما لا يُغْني؛ إذ المتفردُ بالإيجاد بريءٌ عن الأنداد.

.تفسير الآية رقم (77):

{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (77)}
التعمقُ في الباطل قطعٌ لآمال الرجوع؛ فكلما كان بُعْدُ المسافةِ مِنَ الحقِّ أتمَّ كان اليأسُ من الرجعةِ أوجبَ، ومُتَّبعُ الضلالة شرٌّ مِنْ مبتدِعها؛ لأن المبتدعَ يبني والمُتَّبع يُتِمُّ البناء، ومنْ به كمالُ الشرِّ شرُّ ممن منه ابتداءُ الشر.

.تفسير الآية رقم (78):

{لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78)}
أَمَر الأنبياء- عليهم السلام- حتى ذكروا الكفار بالسوء، وأمَّا الأولياء فخصَّهم بذكر نفسه فقال: {هُوَ الذي يُصَلِّى عَلَيْكُمْ} [الأحزاب: 43] فلعنةُ الكفار بلسان الأنبياء، وذِكْرُ المؤمنين بالجميل بلسان الحقِّ- سبحانه، ولو كان ذلك ذِكْراً بالسوء لكان فيه استحقاقُ فضيلةٍ، فكيف وهو ذكرٌ بالجميل!؟ ولقد قال قائلهم:
لئن ساءني أَنْ تَلْقَني بمساءةٍ ** فقد سرَّني أَني خَطَرْتُ ببالِكا

.تفسير الآية رقم (79):

{كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79)}
الرضاءُ بمخالفة أمر الحبيب مُوَافَقَةٌ للمخالف، ولا أَنْفَةَ بعد تميز الخلاف. والسكوتُ عن جفاءٍ تُعامَلْ به كَرَمٌ، والاغضاءُ عما يُقَال في محبوبك دناءةٌ.

.تفسير الآية رقم (80):

{تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (80)}
شرُّ خِصال اللئام مطابقةُ مَنْ يضاد الصديق، فإذا كان سخط الله في موالاة أعدائه فرحمته- سبحانه- في معاداة أعدائه.

.تفسير الآية رقم (81):

{وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (81)}
صَرَّحَ بأنَّ مُوَافِقَ مَنْ نَاوَءَكَ آثَرَ التباعدَ عنك؛ إذ لو كانت بينكما شَعْرَةٌ غيرُ مُنْقَطِعَةٍ لأخلصت في موالاته، وأخلصَ في مصافاتك.

.تفسير الآية رقم (82):

{لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82)}
بَيَّنَ أَنَّ صفة العداوة وإن كانت تجمعهم فمعاداةُ بعضهم تزيد على بعض، وبقدر ما للنصارى من التَّرهُّب أثر فيهم بالمقاربة من أهل الحق؛ فإنهم وإن لم ينتفعوا بهم من حيث الخلاص فقد ذكرهم الله سبحانه- بمقاربة أهل الاختصاص.

.تفسير الآية رقم (83):

{وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83)}
هذه صفة من نظر إليه الحق نظر القبول، فإذا قَرَعَتْ سَمْعَهُم دعوةُ الحقِّ ابتسمت البصيرة في قلوبهم، فسكنوا إلى المسموع لما وجدوا من التحقيق.

.تفسير الآية رقم (84):

{وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84)}
وأي عذر لنا في التعريج في أوطان الارتياب، وقد تجلَّت لقلوبنا الحجج؟ ثم ما نؤمله من حُسْنِ العاقبة.. متى بدونه يمكن أن نطلبه؟.

.تفسير الآية رقم (85):

{فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (85)}
لمَّا صَدَقَتْ آمالهم قابلها بالتحقيق، سُنَّةً منه- سبحانه- ألا يخيب راجيه، ولا يرد مؤمليه، وإنما علَّق الثواب على قولِ القلب الذي هو شهادةٌ عن شهوده، فأمّا النظر المنفردُ عن البصيرةِ فلا ثوابَ عليه ولا إيجاب.

.تفسير الآية رقم (86):

{وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (86)}
(هذا) أثر الإعراض عن الأعداء في مقابلة أثر الإقبال على الأولياء معجَّلاً ومؤجلاً.

.تفسير الآية رقم (87):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (87)}
من أمارات السعادة الوقوفُ على حد الأمر؛ إنْ أَبَاحَ الحقُّ شيئاً قَبِلَه، وقابله بالخشوع، وإنْ خَطَرَ شيئاً وقف ولم يتعرض للجحود.
ومما أباحه من الطيبات الاسترواح إلى نسيم القرب في أوطان الخلوة، وتحريم ذلك: إنْ اسْتَبدَلَ تلك الحالة بالخلطة دون العزلة؛ والعِشْرَةِ دون الخلوة، وذلك هو العدوان العظيم والخسران المبين.

.تفسير الآية رقم (88):

{وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (88)}
الحلال الصَّافي بأن يأكلَ العبدُ ما يأكلُ على شهوده- سبحانه- فإنْ نَزَلَتْ الحالةُ عن هذا فَعَلَى ذِكْرِ- سبحانه- فإنَّ الأكلَ على الغفلة حرامٌ في شريعة الإرادة.

.تفسير الآية رقم (89):

{لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (89)}
الإشارة منه إلى وقتٍ يغلب على قلبك التعطشُ إلى شيء من إقباله أو وصاله، فَتُقْسِمُ عليه بجماله أو جلاله أن يرزقَك شظيةً من إقباله، فكذلك في شريعة الرضا نوعٌ من اليمين، فيعفو عنك رحمةً عليك لضعف حالك. والأوْلى الذوبان والخمود بحسن الرضا تحت ما يُجْرِي عليكَ من أحكامه في الردَّ والصد، وأن تؤثِرَ استقامتَك في أداء حقوقه على إكرامك بحسن تقريبه وإقباله، كما قال قائلهم:
أُريدُ وِصالَه ويريد هجري ** فأتركُ ما أريد لما يريد

ومِنَ اللغْوِ في اليمين- عندهم- ما يجري على لسانهم في حال غلبات الوجْد من تجريد العهد وتأكيد العقد، فيقول:
وحقِّك ما نظرتُ إلى سواكا، ولا قُلْت بغيرك.. ولا حُلْتُ عن عهدك، وأمثال هذا...
وكلُّه في حكم التوحيد لغو، وعن شهود عهد الأحدية سهوٌ ومَنْ أنتَ في الرِّفعةِ حتى تَعْدِمَ نَفْسَكَ؟ وأين في الدار ديَّار حتى تقول بتركه أو تتحقق بوصله أو هجره؟ كلا بل هو الله الواحد القهار.
وكما أن الكفَّارة الشرعيةَ إمَّا عِتْق أو إطعامٌ وإما كسوةٌ فإن لم تستطع فصيام ثلاثة أيام: فكفَّارتهم- على موجب الإشارة- إمّا بذل الروح بحكم الوَجْدِ، أو بذل القلب بصحة القصد، أو بذل النفس بدوام الجهد، فإن عجزتَ فإمساكٌ وصيامٌ عن المناهي والزواجر.

.تفسير الآية رقم (90):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90)}
الخمر ما خامر العقول، والخمر حرام.
والإشارة فيه أنه يزيد نَفَادَ العقل بما يوجب عليه من الالتباس.
ومَنْ شَرِبَ من خمر الغفلة فسُكْرُه أصعب؛ فشرابُ الغفلةِ يوجب البعد عن الحقيقة.
وكما أن من سَكِرَ من خمر الدنيا ممنوعٌ عن الصلاةِ فمن سَكِرَ من خمر الغفلة فهو محجوبٌ عن المواصلاتِ.
وكما أنَّ مَنْ شَرِبَ من خمر الدنيا وجبَ عليه الحدُّ فكذلك من شَرِبَ شرابَ الغفلة فعليه الحَدُّ إذ يُضْرَبُ بسياط الخوف.
وكما أنَّ السكرانَ لا يُقامُ عليه الحدُّ ما لم يُفِقْ فالغافل لا ينجح فيه الوعظُ ما لم ينته.
وكما أن مفتاحَ الكبائر شربُ الخمر (فالغفلة)، أصلُ كلِّ زَلَّة، وسببُ كلِّ ذِلَّة وبدءُ كل بُعْد وحجبة عن الله تعالى.
ويقال لم يحرم عليه الشرابَ في الدنيا إلا وأباح له شرابَ القلوب؛ فشراب الكبائر محظور وشراب الاستئناس مبذول، وعلى حسب المواجد حظى القوم بالشراب، وحيثما كان الشرابُ كان السكْر، وفي معناه أنشدوا:
فما ملَّ ساقيها وما ملَّ شارب ** عقار لحاظ كأسه يسكر اللُّبَّا

فصحوك من لفظي هو الوصل كله ** وسكرك من لحظي يبيح لك الشرابا

وحُرِّم الميسر في الشرع، وفي شريعة الحب القوم مقهورون؛ فمن حيث الإشارة أبدانهم مطروحة في شوارع التقدير، يطؤها كل عابر سبيل من الصادرين من عين المقادير، وأرواحهم مستباحة بحكم القهر، عليها خرجت القُرْعةُ من (....)، قال تعالى: {فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ المُدْحَضِينَ} [الصافات: 141].